الحارث المحاسبي
106
الرعاية لحقوق الله
فمثله كمثل رجل كان له مال عظيم في صندوق مقفل فسرق ما في الصندوق وأقفله كما كان ، فهو قوي القلب مسرور بما يرى أنه في الصندوق ، فلما فتح الصندوق فلم ير المال ، علم أنه قد كان حرب وهو لا يشعر ، فانكسر قلبه وأيقن بفقره . فكذلك هذا المفتش لنفسه المتفقد لعيبه ، وكذلك لما أيقن بالافتقاد ، ثم فزع قلبه إلى ذكر ذي الجود والكرم ، وأيادي اللّه السابقة فيمن كان أعظم منه ذنبا وأطول غفلة كالسحرة وغيرهم ، ثم رأى آثار الجود والتفضل عنده إذ نظر إلى نفسه قد هاج الخوف منها ، وتذكرت ما مضى من الذنوب ، لتطّهّر من أدناسها قبل لقاء ربها عزّ وجلّ ، هاج الرجاء أن يكون في سابق علمه وقدره وليّا لربّه عزّ وجلّ ، وأن ذلك الوقت تاريخ حكم ولايته ، وخاتمة من أسعده ، ليطهره قبل لقائه ، ويزينه للعرض عليه ، فيعطي اللّه عزّ وجلّ العزم بالتوبة عند كل ذنب يذكره ، وتضييع حقّ يعرفه ، وأدى المظالم إلى أهلها وتذلّل لهم في عاجل الدنيا لرجاء التعزّز في الآخرة بالسلامة من الخصوم بين يدي اللّه عزّ وجلّ ، حتى إذا أعطى العزم ألا يعود في ذنوبه ، وأن يقوم بجميع حقوق اللّه جلّ وعزّ ، وما كان عليه منها أداه كصلاة ضيّعها في جهالته ، وصيام أو رحم قطعها ؛ لأن كثيرا من القراء يمكث الدهر الطويل في قراءته ، وعليه صلوات قد ضيّعها في جهالته ، لا يذكر أن عليه قضاءها ، كمتهاون في جنابة أو سكر أو تخفيف لا تجزيه الصلاة به ، أو تقصير في وضوء لا تجزيه بذلك الصلاة ، فتنسيه قراءته ذكر ما كان في جهالته . فإذا عزم العبد القيام بجميع حقوق اللّه جل وعز بعد معرفته بذلك ، فعند